طلاب التقنية العليا في العين سفراء العمل الإنساني

9 سنوات

عبر ممارستهم العمل الإنساني تذوق تسعة طلاب في كلية التقنية العليا في العين يدرسون تخصصات إدارة وتقنية معلومات وهندسة، معاني جديدة وشعوراً لا يضاهى خاصة أنهم اختاروا ممارسة هذا العمل خارج حدود الدولة وقاموا بممارسته بأيديهم، سعياً إلى رسم ابتسامة أمل لدى ثلاث عائلات معدمة في قرية “جنلي” الهندية الصغيرة التي تبعد عن مدينة حيدر آباد مائة وأربعين كيلومتراً، ويعيش معظم سكانها تحت حد الفقر، إذ قاموا بجمع التبرعات من أجل بناء ثلاثة مساكن تأوي اليها هذه العائلات من حر الصيف وبرد الشتاء متحملين في سبيل ذلك معاناة كبيرة تمثلت في ابتعادهم عن أسرهم لما يزيد على عشرة أيام متواصلة بالإضافة إلى قيامهم بأعمال البناء بأيديهم، والكثير من الأمور الأخرى التي يروونها عبر التحقيق التالي:

يقول محمد الصيعري: أسعد كثيراً لخوضي هذه التجربة الإنسانية التي لم أكن أتصور أنني سأخوضها يوماً ما، ولكن حينما عرضها علينا المرشد النفسي منذ عدة أشهر لم أتردد لحظة فهي فرصة نادرة لأداء عمل إنساني على هذا النحو وإسعاد أشخاص تعساء يحتاجون إلى تقديم يد العون إليهم، ومن هنا سارعت إلى جمع التبرعات من أسرتي واصدقائي، إضافة إلى تبرعي شخصياً ومن ثم تهيأت للسفر واضعا نفسي تحت إمرة إدارة الكلية مستجيباً لأي طلب يطلب مني، وهناك تعرفنا إلى أهل القرية التي فوجئنا بهم للاسف يفتقرون إلى الحد الأدنى من المعيشة الكريمة، فكان ان قررنا بناء ثلاثة مساكن للعائلات للاكثر احتياجاً إليها، وبالطبع شاركنا في البناء بانفسنا، وقد كان الجميع في اشد السعادة، فمن ناحية كان أهل القرية سعداء بوجودنا بينهم خاصة حينما عرفوا أننا أتينا لمساعدتهم من الإمارات، ومن ناحية أخرى كنت انا شخصيا أشعر بسعادة كبيرة مع زملائي كوني تسببت في اسعاد هؤلاء البؤساء إلى هذا الحد، وعرفت للمرة الاولى طعم السعادة التي يخلفها العمل الإنساني وهو الامر الذي هون علينا الكثير من معاناه السفر والاقامة بعيداً عن أسرنا.

مجرد بداية

يعلق راشد الحمادي: حينما رأينا الوضع على هذا النحو هناك تمنينا من اعماقنا لو كان في إمكاننا تقديم المزيد لهؤلاء وتلبية كل احتياجاتهم، ولكن الامكانات التي بين ايدينا كانت محدودة للغاية لاسيما مع تقاعس عدد كبير من الشركات والمؤسسات عن تقديم التبرعات لمساعدتنا في مهمتنا، ولذلك نتمنى في المرات المقبلة ان يكون هناك دعم مجتمعي قوي من جانب مؤسسات المجتمع لمثل هذه الرحلات الطلابية التي تهدف بالمقام الاول إلى رفع المعاناة عن كاهل المعوزين، ومن ناحية اخرى تربي فيهم المسؤولية وحب الخير والشعور بمعاناة الاخرين، وقد خلقت لدينا هذه الرحلة العزيمة والاصرار على تكرارها مستقبلاً سواء داخل الدولة أو خارجها بالدول العربية المختلفة، فهذه الرحلة كانت مجرد بداية سوف تنمو وتتشعب مستقبلا بمساندة اهل الخير ورجال الاعمال والمؤسسات المختلفة.

أما عبد الله البلوشي فيشير إلى مستوى الحفاوة التي قابلهم بها ابناء القرية قائلاً: لقد استقبلونا بالورود والأغاني الشعبية بعد ان علموا مسبقاً أننا إماراتيون ونرغب في مد يد العون لهم وهو ما أثر في مشاعري كثيراً واشعرني بالتقصير تجاههم لقد أحببتهم من صميم قلبي وتفاعلت وزملائي معهم بشدة، ونسينا ما واجهناه من تعب السفر والاقامة هناك، حيث استخدمنا طيراناً اقتصادياً وأقمنا في فندق متواضع جدا وسط الحشرات الزاحفة والطائرة في إحدى المدن المجاورة، لكي لا تتأثر الأموال التي بحوزتنا بمصاريف سفرنا وإقامتنا، وشاركنا في عمليات البناء بأنفسنا من دون خبرة بالطبع وهي مشقة بالفعل خاصة مع عدم اعتيادنا مثل هذه الأعمال.

ويرى سلطان الدرمكي ان مبادرت الخير لا يجب ان تنقطع من أبناء الإمارات، ابناء زايد الخير، ويتمنى أن يستكمل غيره ما بدأوه يقول: لقد ودعنا أهل القرية بكثير من الشكر والتقدير والامتنان آملين أن نعود مرة اخرى لاستكمال ما بدأناه، وهو ما اتمناه من كل قلبي.

يتابع: ما اسعدني كثيرا هو زيارتنا لأحد دور الايتام هناك في مدينة بيدر حيث جمعنا من أنفسنا مرة أخرى تبرعات وقدمناها لاحدى الطالبات هناك ككفالة يتيم لمدة عام، وكلما كنا نقدم معروفاً أو خيرا كانت الحماسة تدب في أوصالنا لتقديم المزيد، انه عمل إنساني تعلمناه من قياداتنا الحكيمة وهو ما يميز دولة الإمارات بشكل عام وليس غريباً عنا.

تجربة ثرية

ويعلق مصلح الكثيري: لقد قمنا بشراء مواد البناء من الأموال المتاحة معنا والتي جمعناها من قبل، مستخدمين معاول بدائية بسيطة وقد استطعنا بناء ثلاثة مساكن وإسعاد أصحابها وهي تجربة لن أنساها وسأسعى لتكرارها بشكل أو بآخر، حيث يتعين علينا ابناء الشعوب الغنية ان نشعر بمعاناة الآخرين، وكانت البداية في الهند ولكن ننوي باذن الله ان ننظر إلى اخواننا واشقائنا في الدول العربية بعين المحبة والرغبة في المساعدة فالاقربون أولى بالطبع.

ويؤكد صقر الحوقاني انه رجع من هذه التجربة الثرية شخصاً آخر أكثر حباً للخير، وتحملا للمسؤولية، والشعور بمعاناة الاخرين يقول: لا بد أن نتعلم مما نمر به من تجارب وهذه التجربة اضافت لنا الكثير واشعرتنا بقيمتنا في الحياة وبأنه بالإمكان تقديم الكثير للآخرين فنحن لا نعيش وحدنا على هذا الكوكب، كما تعلمنا منها الاعتماد على النفس وفي النهاية تعلمت الكثير عن فن البناء.

ويقدم جاسم العامري الشكر إلى إدارة الكلية بقوله: لقد اتاحت لنا الكلية فرصة رائعة لتقديم عمل إنساني ولقد قدموا لنا الدعم الكثير ويكفي أنه تم تأجيل دراستنا وامتحاناتنا المقررة في هذه الفترة لحين العودة، وهو ما اشعرنا بدعم لا محدود ورغبة قوية لتنمية امور جميلة بداخلنا سوف تنعكس بالتأكيد على حياتنا مستقبلاً.

أما فلاح الأحبابي فيقول: لقد تعلمنا مهارات وخبرات جديدة، كما شعرنا بقيمة النعمة التي انعم الله علينا بها، الأمر الذي يدعونا إلى رد الجميل إلى هذا البلد المعطاء بالعمل والانتاج والاخلاص، فضلاً عن التعبير عن شكرنا إلى الله سبحانه وتعالى بمزيد من أعمال الخير التي تشير إلى إنسانية ابناء الإمارات وتحملهم المسؤولية تجاه الشعوب الأخرى.

واخيرا يقول خالد الساعدي: لقد رفعنا اسم الإمارات في هذه المهمة وكنا واجهة مشرفة لها وتركنا انطباعات جميلة لدى غيرنا من الشعوب، ونتمنى ان نستمر على هذا المنوال فالطلاب لديهم استعداد كبير جدا ولكن المشكلة دائما في قلة الدعم.

من جانبه يقول عماد جروان المرشد النفسي في كليات التقنية العليا في العين والمشرف على الرحلة: تأتي مشاركة طلاب كلية التقنية العليا في العين في هذا المشروع ضمن حرص الكلية على توفير كل الفرص لطلابها وطالباتها من أجل التواصل مع الشعوب والحضارات الأخرى للتعريف بدولة الإمارات ودورها الحضاري والإنساني، إضافة إلى تمكين الطلاب من اكتساب مهارات جديدة وخبرات عملية تمكنهم من دخول معترك الحياة واثقين من أنفسهم متسلحين بالمهارات العلمية والخبرات العملية، كما جاءت مشاركة الطلاب في هذا المشروع الإنساني المتميز استجابة لنداء المنظمة الإنسانية “منظمة السكن الإنساني” وهي منظمة عالمية غير رسمية وغير ربحية متخصصة في مكافحة الفقر منذ تأسيسها عام ،1976 وقد ساهمت في بناء أكثر من 300 ألف سكن يقطن فيها أكثر من مليون ونصف المليون شخص يعيشون تحت خط الفقر.وقد شملت مشاركة الطلاب في البداية جمع التبرعات النقدية من ذويهم في الإمارات لتوفير الموارد المالية اللازمة لشراء مواد البناء الضرورية للمشروع، حيث تمكنا من جمع 60 ألف درهم منها ثمانية آلاف درهم من الكلية وبعد وصول الطلاب إلى موقع البناء في الهند قدموا العمل التطوعي الذي شمل المساعدة الفعلية في بناء المنازل مثل نقل الطابوق وخلط الاسمنت وإزاحة التراب. إضافة إلى زيارة الطلاب دار الأيتام في مدينة بيدر وتبرعوا بنفقات رعاية فتاة يتيمة مقيمة هناك وذلك لمدة عام كامل.

يضيف: وعلى الرغم من الظروف المناخية الصعبة والبعد عن الأهل والوطن فقد تميز الطلاب بأدائهم، حيث كانوا أفضل سفراء لشعب الإمارات الخير والطيب، كما أن مشاركتهم مكنتهم من الحصول على الخبرة من خلال تعاملهم مع العائلات التي تواصلوا معها وزاروها.

ومن جانبه يقول تيم سميث مدير كليات التقنية العليا بالإنابة: “نحن سعداء جداً لمشاركة طلابنا ومساهمتهم بهذا المشروع الخيري والإنساني، حيث عملوا بجد وبذلك استحقوا احترام وتقدير أهالي البلدة التي بنوا فيها المساكن. ومن خلال حديثي مع الطلاب علمت أنهم اكتسبوا الكثير من المهارات والخبرات وأصبحت نظرتهم للعالم ومقاربتهم لقضاياه الملحة مختلفةً تماماً. لقد اكتسبوا خبرة لن ينسوها أبداً”.

المصدر: جريدة الخليج